الانسحاب الأمريكي من سورية.. الترتيبات والمعوقات

“تاركا الأطراف الأخرى تهتم بالأمر”، الرئيس الأمريكي يعلن “نيته” اتخاذ قرار لسحب قوات بلاده من سوريا في “وقت قريب”.

وخلافا لذلك، لا تزال القيادات العسكرية الأمريكية ترى ضرورة عدم الانسحاب قبل الانتهاء من قتال تنظيم “داعش” الإرهابي، وزوال تهديده بشكل كلي، وهو ما لم يتحقق حتى الآن رغم خسارة التنظيم العسكرية، وخسارته جميع المراكز الحضرية في العراق وسوريا منذ ديسمبر / كانون الأول من العام الماضي.

وكان الرئيس الأمريكي قد صرح في 29 مارس / آذار الماضي بأنه مع انتهاء العمليات العسكرية ضد تنظيم “داعش”، فإن استمرار وجود العسكريين الأمريكيين في سوريا يصبح بلا جدوى، وأن بلاده ستغادر سوريا “قريبا جدا”.

ووفق مصادر شبكة “”CNN، فإن كلا من وزير الخارجية الأمريكي الجديد مايك بومبيو، ورئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية الجنرال جوزيف دانفورد، وقفا ضد انسحاب القوات الأمريكية من سوريا في اجتماع لمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض هذا الأسبوع.

ونقلت الشبكة عن (مايك بومبيو) الذي عينه ترامب مؤخرا وزيرا للخارجية، وينتظر تصديق الكونغرس على تعيينه، قوله إن “انسحاب الرئيس من البلد الذي مزقته الحرب سيعتبر خطأ”.

ولا تخطط الولايات المتحدة “في المستقبل القريب لسحب قواتها من سوريا، وستتخذ القرار بهذا الشأن بعد القضاء التام على تنظيم داعش”، بحسب المندوبة الأمريكية الدائمة في الأمم المتحدة نيكي هيلي التي حددت أن أولويات الرئيس الأمريكي “كانت دائما هزيمة داعش، وهو لا يقول إننا سننسحب حين ننتصر على داعش، هو يقول سوف نعمل مع شركائنا وأصدقائنا ونقرر ما سيكون لاحقا”.

وحذر لينزي جراهام عضو لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي (الغرفة الثانية للبرلمان) في مطلع أبريل / نيسان الجاري، من سحب القوات الأمريكية، لأن “ذلك سيؤدي إلى إحياء تنظيم الدولة (داعش) وزيادة النفوذ الإيراني على نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد”.

واعتبر جراهام أنه “أسوأ قرار منفرد يمكن أن يتخذه الرئيس” بعد أن “أوصلنا تنظيم الدولة إلى حافة الهزيمة”، ورأى أن القرار إذا اتخذ فإنه يعني “إبعاد التنظيم عن حافة الهزيمة”.

وتقدر مصادر أمريكية بقاء نحو 3 آلاف من مسلحي تنظيم “داعش” في سوريا.

اعتمدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد عودة الولايات المتحدة لاستعادة دورها في المنطقة، على ثنائية محاربة تنظيم “داعش”، ومواجهة النفوذ الإيراني والحد من تهديداتهما على الدول الحليفة في المنطقة وإسرائيل.

وسيكون من شأن الانسحاب الأمريكي إيجاد بيئة جديدة لتجديد تنظيم “داعش” نشاطاته في سوريا، وتعزيز قدرات النظام والقوى الحليفة لإيران لاستعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، وهو ما يعزز من نفوذ إيران وتهديداتها بشكل أكبر، على النقيض من سياسات الإدارة الأمريكية في المنطقة والتزاماتها تجاه الدول الحليفة والصديقة.

سيتطلب الانسحاب الأمريكي وضع ترتيبات مع تركيا وروسيا لضمان عدم السماح لإيران بالاستحواذ على كامل النفوذ في سوريا، بعد أن تبنت الإدارة الأمريكية في عهد دونالد ترامب استراتيجية ثنائية الاتجاه نحو، أولا: القضاء على تنظيم داعش وعدم إمكانية عودته مجددا، وثانيا: تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة، وزوال تهديداته “المفترضة” على الدول الحليفة في الخليج والأردن ومصر.

يأتي قرار الانسحاب “المنتظر” خطوة على النقيض مما يجب على الولايات المتحدة من اتخاذ خطوات تتوافق مع المتغيرات في ساحة الصراع السورية سياسيا وعسكريا، حيث تبرز الحاجة لإعادة تنشيط ودعم المعارضة المسلحة “المعتدلة” الحليفة لها بعد سلسلة من الخسائر والانهيارات التي لحقت بفصائل أخرى في ريفي دمشق وإدلب.

وستجد الدول الراعية لفصائل المعارضة ومنها الولايات المتحدة، نفسها مضطرة إلى القبول برؤية الحكومة السورية وروسيا وإيران، بعد أن فقدت تلك الدول المزيد من أوراق الضغط على النظام في رسم مسارات التسوية النهائية، ومستقبل سوريا بغياب “شبه كامل” لإرادة الأطراف الإقليمية والدولية المناهضة للنظام وروسيا وإيران.

لذلك يبدو جليا أن المتضرر الأول على المدى البعيد من إعلان الرئيس الأمريكي الذي تدور شكوك حول اعتماده، والمضي به قدما، هم حلفاء الولايات المتحدة من الدول الخليجية ومصر والأردن وإسرائيل.

تحدث محللون أمريكيون عن أن عزم الرئيس الأمريكي بإعلانه نية الانسحاب، هو عملية توريط دول خليجية في الصراع الأمريكي الإيراني على النفوذ والهيمنة في المنطقة، وهذا في حقيقته يتطلب تدخلا أمريكيا إلى جانب هذه الدول التي لا يمكن لها أن تقاتل إيران أو تدخل معها في مواجهات محدودة دون غطاء وإسناد أمريكي.

وتشكو الإدارة الأمريكية على لسان رئيسها بشكل متكرر من الإنفاق الهائل في الحرب على تنظيم “داعش”، والنفوذ الإيراني دون عائدات لبلاده، ويطالب الدول “الغنية” بدفع المزيد من الأموال لتعويض جزء من الإنفاق “الهائل” للولايات المتحدة التي كشف عنها دونالد ترامب في إحدى تغريداته مطلع هذا العام، وبلغ 7 تريليونات دولار لمحاربة الإرهاب في المنطقة.

ونقلت شبكة “CNN” عن “مصادر أمريكية مسؤولة”، أن الرئيس الأمريكي أكد رغبته خلال اجتماع لمناقشة الانسحاب من سوريا مع فريق الأمن القومي، وكبار القادة العسكريين في 3 أبريل / نيسان الجاري، في أن “تدفع دول الخليج الغنية مزيدا من الأموال في سوريا”.

وفي ضوء المداولات، نجح المجتمعون بإقناع ترامب بالتراجع عن الانسحاب الفوري لأنه “سيكون خطأ، وسيفتح المجال أكثر أمام روسيا وإيران لتعزيز مصالحهما التي تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة”.

وبدا واضحا أن هناك خلافات في وجهات النظر بين البيت الأبيض والقادة العسكريين الأمريكيين حول حقيقة هزيمة تنظيم “داعش”، وزوال تهديداته بالكامل وانعدام أي إمكانية لعودة نشاطاته أو إعادة إنتاج نفسه أو انبعاثه بتنظيم جديد يحمل اسما مختلفا.

ويمكن لإيران في غياب قوات أمريكية على الأراضي السورية، أن تدفع بالقوات الحليفة لها من المجموعات الشيعية المسلحة (المليشيات)، وقوات النظام السوري لاستعادة السيطرة على المناطق الخاضعة لسيطرة وإدارة تنظيم “ي ب ك / بي كا كا” الإرهابي في شمال وشمال شرقي سوريا، ووضعها مجددا تحت سيطرة قوات النظام، بما يعزز الأوراق التفاوضية للنظام في التسوية الأممية المرتقبة، وفقا لمسار جنيف، وبما يعزز النفوذ الإيراني بشكل أكبر.

في كل الأحوال، بدا إعلان الرئيس الأمريكي نيته الانسحاب من سوريا إعلانا يفتقد إلى تأييد القيادات العسكرية الأمريكية المعنية بملفات المنطقة، كما أنه سيعزز حتما النفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة، وهو الأمر الذي يثير قلق الدول الحليفة، دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومصر والأردن وإسرائيل.

ومن المستبعد في ظل جملة تلك المعطيات، أن يمضي الرئيس الأمريكي قدما باتجاه الانسحاب كليا من سوريا، ومن المحتمل أن يغادر قسم من جنود بلاده، فيما ستظل الولايات المتحدة على رأس التحالف الدولي في الحرب على الإرهاب لفترة قد تطول أو تقصر، وفقا لما ستحققه التسوية الأممية للأزمة السورية في مسار جنيف، والتأكد من القضاء على تنظيم “داعش” بشكل نهائي، وهذا يعود لتقدير القادة العسكريين.

الأناضول